مواضيع مشابهة

قبل يوم الرحيل!

أيام ويأتي يوم الرحيل ...أيامي في هذه الحياة باتت معدودة. 
يقولون أن الرحيل مؤلم ولكني انتظره بشغف وترقب , 
فالآلام التي أكابدها لن تقارن بألم الرحيل 
بدا العد التنازلي لأيامي,  وبدأت الامي تستعد معي  للرحيل وكذلك أحزاني وذكرياتي . 
مستلقية في سريري . و النوم الهارب عن عينيي منذ أيام يبدو انه رحل أيضا ولن يعود .
خطى يوم جديد تعلنه المآذن الأربع للمسجد في حينا , 
تدخل أصوات المؤذن دون استئذان إلى غرف بيتنا فتضمها جدران هذا المنزل ,وتتناغم مع سكانه الأحزان والآلام رفاقي الدائمين في سنواتي الأخيرة .
الآذان ليس صوتا غريبا, بات  كأصوات القذائف والطائرات والمدافع والرصاص زائرا يوميا تداعب هذه الجدران حتى بات ضجيجها اليفا كصوت البائعة المتجولين وأبواق السيارات .
نعيش هنا حياة الصمت والشرود والذهول والحزن , ونكران كل ما نسمعه ونراه , 
الأحاسيس باتت نقمة في هذا الزمن الموبوء , 
أحاسيس اليأس والعجز تتحكم بحياتنا بدلا من ان نتحكم نحن بأحاسيسنا  .
كل شيء اصبح لا لون له ولا طعم ولا رائحة إلا رائحة الموت وطعم القهر ولون المعاناة .
حياة رتيبة أمضيها بمفردي , يزينها وجود "دينا " جارتي الحميمة , وابنها ورد  كوردة في صحراء حلب , 
وبين الفينة والفينة صوت أخي الروماني " مازن " يعيد إلي ذكريات الطفولة , وأيام السلم والرغبة في الحياة  , يخبرني عن حلمه بالعودة وبانتهاء الأزمة, وعودة الإنسانية والضمير إلى البشر , وعودته للقائي واسترجاع ذكريات طفولته .
بوفاة والدتي خرج "مازن " هربا من وطنه الذي قتلت مشفاه والدته , خرج قبل أن ينتقموا منه حين امتشق سلاح الكلمة وجرده في وجوههم قهرا وإنصافا لوالدته الشهيدة (خطأ طبي)  , 
خشي والدي على ابنه الوحيد من  أن يصبح نسياً منسياً فجعله مغترباً . 
وفي زمن غربته توفي والدي وتوفي الوطن, وعم الظلام ونعقت الغربان , 
وأصبحت حلب مدينة الأغراب. وازدهرت مدن الأعراب الفاجرة , 
وباع البشر انفسهم للشيطان بعد أن أبيحت دمائهم وبيعت أعضائهم وسبيت نسائهم , والقي بمصيرهم في سلة المهملات, 
وفي زمن غربته شرب الجميع شراب الخيانة من كؤوس العمالة , وهاجرت القيم والأخلاق,  وفاحت رائحة العفن الأخلاقي من حولنا . 
وانا بقيت هنا فأضعت عمرا ودفنت أحلاما,  وقريبا سأرحل في صمت ولن يعرف "مازن "  بموتي الا من غيري , سأرحل وانا اكتم في صدري شوقا للقائه ومعانقته ووداعه .
سأرحل وحيدة كما عشت وحيدة , قضيت هنا حياتي الرتيبة منزل ومدرسة وشارع , وصدمات متتالية  ببشر كشفوا عن أقنعتهم فانبهرت بحقيقتهم أحيانا ورثيت لحالهم أحيانا أخرى ,  فاخترت أن اصمت . وقررت أن انتقل للعيش خارج اطار هؤلاء البشر,  فلم كان امتلك القوة والبأس لأعيش بينهم وأكون واحدة منهم  
محاولاتي لاكتساب صفاتهم,  والتي كانت فاشلة على الدوام , أكسبتني التعب , لاضطراري لاتخاذ قرارات يصعب تنفيذها , ولكنني قررت مؤخرا  أن لا أعيش على هذه الأرض الملوثة , وانتقلت لأعيش في مكان اخر حيث الحب والعدل والخير,  تركت خلفي التعب والشقاء , الحزن والبكاء , اليأس والمعاناة ,  خلعتهم على شواطئ الرحيل ودخلت بحر الوداع  دون قهر
تعبت حتى توفيت من التعب  وأصبحت  جثة هامدة وذكرى طيبة , ماتت حروفي ورحلت كلماتي عن مسرح الحياة .

المزيد من: ANA-News