رؤيا مختلفة للثورات العربية
لقد أثبتت الأيام والثورات العربية أن العدو الأساسي في الوطن العربي هو العقلية الديكتاتورية وليس الحكام ، والقضاء على هذه العقلية يحتاج إلى ممارسة طويلة ووعي شديد ووقت طويل ، فالديموقراطية كمن يقود سيارة لا تكفيه التعليمات النظرية، وإنما يحتاج للخبرة والممارسة ليضمن سلامة وسلاسة الوصول .
ان شعارات التغيير التي رفعتها بعض الثورات العربية تثبت ان العقلية الديكتاتورية العربية لازالت هي المسيطرة حتى لدى من ثار ضدها ، فالثورة تنصب نفسها نائبا عاما، وقاضيا، وتصدر حكمها النهائي ، وتنفذه كما فعلت مع العقيد الليبي ، دون إتاحة فرصة عادلة ومحاكمة ديموقراطية ، وهذا الأمر بعيد تمام البعد عن الديمقراطية.
النقطة الثانية هي تركيز الثورة كلها لتكون ضد شخص بعينه، و إهمال الثورة ضد العقلية التي قد لا يكون هذا الفرد مسؤول عنها ، والتي قد تتحكم به كما تتحكم بنا ،
ان الثورة الحقيقية هي التي تسعى لاستبدال العقليات ، وتغيير مجموعة من القيم البالية ، أما تغيير الأشخاص فلن تؤدي بالضرورة إلى نجاح أهداف الثورة. الظالم إنسان ضعيف لا حول له ولا قوة يدافع عن وجوده بظلم الآخرين ، الظالم شخص واحد ولكن الذين يؤيدونه ويساعدونه وينقادون له ،ويرفعونه هم الذين يعطون له القوة . الظالم لا يكون دون وجود داعمين له . وهؤلاء قادرين على خلق ظالم اخر طالما اقتضت مصالحهم بذلك .
من الضرورة احترام الراي الآخر، ولو لم نتفق معه، و إعطاء هذا الرأي ضمانات و تطمينات بأنه لن يعامل كعدو فقط لأنه يخالفنا بالرأي . فلا يمكن لأي كان تجاهل التركيبة الفسيفسائية ، وتجاهلها يعني بان نرمي بالديموقراطية في اقرب سلة مهملات ، وتعني تقسيم الوطن والعائلة ، لا يمكن في دولة الوطن الديموقراطي إقصاء أي كان وبأي حجة.
والمؤسف ان هناك شبيحة متنكرين بزي المعارضة ، خطابهم تشبيحي وعقليتهم تشبيحية ، شخصيات كل همها ان تتصدر المشهد ، تستخدم الجعجعة كخطاب يدل على جهلها وفقرها وعدم درايتها بالعمل السياسي ، لا تعرف طريقا للتقدم إلا طريق الإساءة للآخر والافتراء عليه . على مبدا " اشتمهم لتزيد من قيمتك" ومبدا "نجاح أخي يعني فشلي" . فيتحفنا هؤلاء بأخلاقيات عفنة، وتجبر فكرنا على تناول وجبات فاسدة تسبب له حالات من الإسهال الفكري المزمن .
التغيير المطلوب هو التغيير الايجابي الذي يجلب الحرية والعدالة والديموقراطية والمساواة تحت سقف الوحدة الوطنية، لا التغيير الذي يجلب الحظر الجوي والحصار الاقتصادي و مرتزقة الناتو والاحتلال والشركات المستغلة .
وهذا التغيير لا يأتي من المعارك الفيسبوكية التي لا تمتلك إلا قواعد شعبية افتراضية ولا تمتلك رؤية مستقبلية ، ولا مخططات استراتيجية، ولا إنجازات واقعية ، تلك المعارضة الفيسبوكية هي معارضة للتسلية ولملء أوقات الفراغ ، بدلا من حكايا الجدة حول الموقد في الشتاء.
لا يزال مطالبي التغيير في الخارج ، مقادين من مجالس مشلولة ، وهيئات عاجزة تسير خلف الشارع ، وتستفيد منه لضمان الوصول الآمن إلى الكراسي
| < السابق | التالي > |
|---|



