الموقع الرسمي للكاتب مازن رفاعي

بالألوان الطبيعية

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

يسير المخرج أسامة فوزي في فيلم "بالألوان الطبيعية" على نفس النهج الذي سلكه في فيلمه "بحب السيما" في طرحه لأسئلة جوهرية مهمة في علاقة الدين بالفن، الدين بالإنسان في زمن تصاعد المد الديني، هذه الأسئلة التي تدفع الإنسان في مجتمعاتنا الإسلامية إلى أن يعيش أحيانا كثيرة بين شقي رحى؛ رحى الحرام والحلال، للتحول حياته كلها إلى جحيم خاصة ذلك الإنسان الذي ينشأ ويربي في مجتمع محافظ. في فيلمه "بحب السيما" بدأ أسامة فوزي بالمسيحية، وثنى في فيلمه "بالألوان الطبيعية" بالإسلام، وهو في كلا الفيلمين، لم يهاجم العقيدة، ولكنه هاجم أزماتها،

وطرح عذاب الأسئلة داخل الضمير الإنساني المتأزم جراء تصاعد التشدد والتزمت الديني، هذا التصاعد الذي طارد كل شيء وأي شيء بسلاح التحريم والانغلاق الفكري، حتى لم يبق للإنسان بارق نور تصحب خطواته للعيش على هذه الأرض.

أكثر من مشهد في فيلم "بالألوان الطبيعية" وكذا في فيلم "بحب السيما" يعتمد على المونولوج الدرامي، يناجي فيها الأبطال الله/الرب تارة، وأنفسهم تارة أخرى، بحثاً عن قبس من نور في هذا الظلام الذي يغشى الحياة نتيجة هذا التسلط الذي يطاردهم أينما توجهوا، السينما حرام والفن التشكيلي حرام والنحت حرام والمسرح حرام.

وينطلق الفيلم من رؤية الانفصام التي يعاني منها المجتمع المصري، كاشفا أن ذلك الانفصام يطال كل شرائح المجتمع دون استثناء شريحة أو تمييز شريحة على أخرى، البعض يطلبون التحرر ويخافونه، ليس نتيجة لتصاعد المد الإسلامي المتشدد من حولهم فقط، ولكن نتيجة ما تربوا عليه وترسخ في ضمائرهم من أفكار متشددة، والبعض ضرب الفساد رؤيتهم فلم يعودوا صادقين مع أنفسهم ومع فنهم ومع الآخرين، والبعض استسلموا للنقاب فتحجرت عقولهم ليصبح كل شيء فسق وحرام وغير ذلك من النعوت التي يطلقها أصحاب الذقون الطويلة على العاملين بالفنون.

لقد أشفقت كثيراً على بطل الفيلم هو يطعن في قلبه حين خذلته حبيبته التي ربطته بها علاقة جنسية حميمة لتتحجب ثم لتتنقب، وكان حواره معها حين تنقبت قاسياً، رفضت أن تسلم عليه أو تستقبله لمجرد الحديث في بيتها، فهذا حرام في ظل عدم وجود "محرم"، ونصحته ألا يكمل دراسة الفنون، فالتصوير والرسم والمسرح والنحت و..و..حرام فسق، والمال الذي يأتي من ورائه حرام، ودعت له بالصلاح والهداية، وألا يحاول رؤيتها بعد ذلك لأنها ستنقل لكلية أخرى، أيضا مشهده وهو يناجي ربه في حيرة من أمره، حيرة من يتعذب، هذه الحيرة التي لا تنتهي بانتهاء الفيلم.

إن الأسئلة التي حملها الفيلم لم يطرحه بطله وحده، بل طرحها مجمل أبطال الفيلم، لأنها أسئلة لم توجه فقط إلى الدين في علاقته بالإنسان، بل توجهت إلى هذا النظام الذي يحرس الفساد حتى داخل العملية التعليمية ويحله ويسرق روح الفن في أبنائه، وإلى الشيوخ المودرن الذين يملأون الفضائيات ويطاردون الشباب والكبار بفتاوى التحريم والتشدد، فصورة هذا الشيخ المودرن يطارد بطل الفيلم طوال الوقت لكي يذكره بالحرام والحلال.

لقد جاء الأداء التمثيلي لأبطال الفيلم الشباب خاصة متميزاً، أهم ما يميزه أنه خلا من الانفعالات الفجة غير المبررة، لقد كان مشهد فتاة الليل وهي تدخل على البطل وأصدقائه الأتيليه وتستعد لتخلع ملابسها فتبدأ بنزع حذائها ثم شرابها وحين تبدأ في خلع شراب قدمها اليسرى يستوقفها البطل ليرسمها وهي في حالتها هذا، تدمع عيناها حين ترى للوحتها وتخرج مسرعة وترفض أن تتقاضى أجرا فيمنحها البطل اللوحة هدية، في هذا المشهد استطاع الممثلان كريم قاسم ومنى هلا أن يقدما مشهداً رائعاً لصدقية الفن وتأثيره.

وكذا مشهد الممثلين الشابين رامز لينر وفرح يوسف عقب ممارستهما للجنس يتحدث رامز إلى فرح وكأنه يخاطب نفسه، لا يرى لحياته معنى أو قيمة، يحب البنات، النسوان، لكن لا يذوق طعم الحب، يعيش عالة على الفن، يصنع مشاريع الآخرين الفنية، مجرد صنايعي يعرف كيف يوزع الألوان والتيمات، لكنه يصنع فنا يحمل روحه، الدنيا ضباب لا يرى بسببه شيئا، ويكتمل الأمر حين تواجهه فرح بأنه حتى في ممارسة الجنس بلا روح بلا إحساس، الحوار طويل لكنه ممتع كونه يكشف عن ذلك الفراغ المرعب الذي يملأ هؤلاء الشباب رغم امتلاكهم قوى عبقرية هي قوى الفن.

ولعبت الكاميرا أيضا دوراً رائعاً في تخليق هذا الجو الفني المملوء بالتساؤلات، المملوء بالشكوك والمخاوف والتوق إلى التحرر، والأهم من ذلك أنها استطاعت أن تحرر مشاهد الجنس من الإسفاف حيث جاءت بفضل التصوير جزء من النسيج، ويصعب القول إنها جاءت بهدف تجاري أو ما شابه ذلك.

وكتب السيناريست هاني فوزي بحرفية عالية، ولكنه كان قادراً على تقديم سيناريو أقوى من ذلك وأكثر إحكاما وإدانة، ربما حساسية مواجهة العقلية الدينية في الجانب الإسلامي، ربما خوفه من السقوط في كلمة أو أكثر تعرضه لمواجهة صعبة مع التيار الإسلامي المتشدد، وذلك بعكس ما حدث في فيلمه أيضا "بحب السينما"، لكن على أية حال الفيلم يستحق التحية

Share/Save/Bookmark

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy
Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com

Translations ترجمة الصفحة

blank blank blank blank blank

احصائيات الزوار

عدد الزيارات [+/-]
زوار اليوم:
زوار الامس:
زوار ماقبل الامس:
468
2791
2544

+247
زوار الاسبوع:
زوار الاسبوع الماضي:
الاسبوع ماقبل الماضي:
3259
20127
23416

-3289
هذا الشهر:
الشهر الماضي:
الشهر ماقبل الماضي:
17055
101086
125421

-24335
هذه السنة:
السنة الماضية:
118141
370361
-252220