الموقع الرسمي للكاتب مازن رفاعي
ظهرت كلمة ارهاب أو ارهابي لأول مرة في عام على يد الفيلسوف الشهير أيمانويل كانط. 1798 وربما كان يعني بها آنذاك معنى مختلفاً. فقد استخدمها للتحدث عن المصير المتشائم والمظلم للبشرية إذا لم تأخذ بأسباب العقل والحكمة في ادارة شئونها.
وفي نفس العام نلاحظ ظهور الكلمة في القاموس الشهير للاكاديمية الفرنسية. وقد استخدمت المصطلح للدلالة على الرعب الثوري واعمال العنف الرهيبة التي ارتكبت أثناء الثورة الفرنسية.
وبالتالي فليس لها نفس المعنى الذي نخلعه الآن على الكلمة. فالارهاب بالمعنى الحديث للكلمة يعني استخدام الرعب والاجرام كوسيلة للتوصل الى أهداف سياسية.
وهناك عدة انواع من الارهاب. فهناك الارهاب الذي تمارسه بعض الجماعات السرية ضد دولة معينة لزعزعة استقرارها او لقلب نظام الحكم فيها،
وهناك الارهاب الذي تستخدمه الدولة ذاتها . ويفرق العلماء هنا بين الارهاب والمقاومة.
فعندما كانت فرنسا محتلة من قبل الالمان كانت بعض الجماعات السرية الفرنسية تقوم بأعمال تخريب أو اغتيال لزعزعة الاحتلال الالماني من اجل التحرر منه وتخليص الوطن من شره. وكان النازيون يعتبرون ذلك ارهاباً، ولكن الحركة الوطنية الفرنسية كانت تعتبره مقاومة.
والواقع ان الفرق بين المقاومة والارهاب واضح تماماً. فاذا كانت بلادك محتلة فانه يحق لك ان تمارس اعمال المقاومة ضد هذا الاحتلال. ولكن اذا استخدمت هذه الاعمال لغايات اخرى لا علاقة لها بتحرير الوطن فان ذلك يدعى ارهاباً.
هذا من جهة. واما من جهة اخرى فنلاحظ ان زيادة القمع في مجتمع ما أو زيادة الفقر والظلم، تؤدي بالضرورة الى انفجار العنف، وبالتالي فهناك اسباب موضوعية ينبغي ان نأخذها بعين الاعتبار دون ان يعني ذلك اننا نبرر اعمال العنف.
ويمكن القول بان
أول موجة ارهاب ظهرت في التاريخ الحديث كانت تلك التي اندلعت في روسيا. وكانت ذات استلهام ايديولوجي اشتراكي او فوضوي.
ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت حركة تدعى باسم «حرية الشعب». وكان اتباعها من العدميين الفوضويين الذين وضعهم دستويفسكي في رواياته الشهيرة وبخاصة رواية «الممسوسين». فهؤلاء كانوا يعتبرون ان من حقهم القيام بتفجيرات واغتيالات ضد نظام الحكم الظالم او التعسفي.
وبالفعل فقد قتلوا القيصر اسكندر الثاني في عام 1881. وكان هدفهم زعزعة الدولة وتفكيكها وتشجيعها الطبقة الفلاحية على الانضمام الى النضال الثوري. وفي نفس الوقت تقريباً، او بعده بقليل، هاج الفوضويون الفرنسيون وقاموا بعدة تفجيرات واغتيالات وكان اشهرها نجاحهم في اغتيال الرئيس الفرنسي «سادي كارنو» يوم 24 يونيو في عام 1894.
وهذا حدث نادر في تاريخ فرنسا المعاصر. وربما كان الرئيس الوحيد الذي مات عن طريق الاغتيال. ولكن في الماضي البعيد، واثناء حروب الاديان أو المذاهب، اغتيل واحد من اشهر ملوك فرنسا ويدعى: هنري الرابع
..
واذا ما بقينا في التاريخ الحديث فيمكن ان نذكر محاولة تفجير الجمعية الوطنية الفرنسية عن طريق قنبلة وضعت فيها عام 1893. وكان الفوضوي الفرنسي اميل هنري قد قام بتفجير مقهى في محطة قطار باريسية في شهر فبراير من عام 1894. وقد برر عمله قائلا: أريد ان تستيقظ الجماهير لكي تدرك واقعها وتثور على البورجوازية الحاكمة التي تمص دم الشعب.. ينبغي ان نقض مضاجع البورجوازيين الاغنياء الذين يتنعمون بكافة انواع الرفاهية والشعب يتضور جوعاً..
وبعدئذ راحت تسقط شخصيات سياسية عديدة تحت قنابل او رصاصات الفوضويين والعدميين. نذكر من بينهم ملك ايطاليا أمبيرتو الأول (1900)، والرئيس الاميركي ماك كينلي الذي اغتيال في العام التالي، ثم امبراطور النمسا فرانسوا فيردينان الذي اغتيل عام 1914. وكان اغتياله هو السبب المباشر الذي عجل باندلاع الحرب العالمية الأولى.
اما العصر الثاني للارهاب الثوري فقد أغلق عام 1989 بانهيار الكتلة الشيوعية السوفييتية. فنهاية نظام القطبين أدت الى حصول متغيرات ضخمة. نذكر من بينها: التخلي عن المرجعية الماركسية والبلاغيات الثورية التي كانت تخلع المشروعية على العنف الثوري، ثم نفاد الدعم المادي واللوجستيكي الذي كانت تقدمه بلدان الشرق الشيوعية الى الحركات الثورية في مختلف انحاء العالم.
ولكن ما ان انتهي العنف الثوري القائم على الايديولوجيا الماركسية حتى حل محله عنف آخر من نوع جديد. وهو قائم على التعلق بالهوية والتعصب للجذور الدينية او الطائفية. وقد دفع العالم ثمناً باهظاً لذلك خلال حروب البلقان والمجازر التي ارتكبها الصرب المتعصبون في حق ليس فقط المسلمين، وانما ايضا المسيحيين الكاثوليكيين في كرواتيا..
وهكذا اصبحت الايديولوجيا القومية المتعصبة بشكل فاشي لذاتها هي التي تبرر العنف وتؤكد على مشروعية الارهاب. ويمكن ان نقول الشيء ذاته عن التعصب الديني او الطائفي الاعمى.
An Anatomy of Terror
A History of Terroresm
Andrew Sinclair
Macmillan- Lnodon 2003