Black Swan 2010 .. البراءة وحدها لا تكفى !!
تدور قصة الفيلم حول البالرينا أو راقصة الباليه ( نينا سايرز ) .. و التى تطمح فى أن تكون بطلة عرض ( بحيرة البجع ) الشهير .. و نجد نينا شخصية غاية فى البراءة و النقاء .. حتى ما تشعر به من غيرة او حقد تبتلعه داخل أعماقها و لا تحاول أن تطلق له العنان .. شخصية غاية فى البراءة و الملائكية .. نفهم من أحداث الفيلم أن والدتها تهيمن عليها فى تربيتها .. و تعاملها كطفلة مراهقة فى الثانية عشر من عمرها ، بينما نينا قد بلغت الثامنة و العشرين من العمر ..
و نجد نينا راضية تماماً بمعاملة والدتها تلك ، و نجدها متأقلمة تماماً مع تسلط والدتها و تدخلها فى جميع شئونها الشخصية .. نجدها راضية بل و نشعر أنها سعيدة بهذا فى بعض الاحيان ..
إلى أن تحدث المشكلة ، بالرغم من موهبة نينا الرائعة , و حرصها على أداء كل حركاتها بشكل مثالى لا يخلُ من الدقة ..
يرى مدربها و المسئول عن العرض .. انها لا تصلح سوى لأداء البجعة البيضاء ، و لا يرى بها سوى البجعة البيضاء .. البراءة ، الضعف ، الوهن ، القناعة ، الاستسلام ، الرضا ، و فعلاً كانت هذه مواصفات شخصية نينا بحذافيرها ..
و لكنه لم يرى بها البجعة السوداء أبداً ..
القبح ، الحقد ، الكراهية ، الإغواء ، التسلط ، الشهوة .. كل هذا كان بمنأى عن نينا و براءتها الفائقة ..
فنجده يصارحها بانه لو أن الدور كان البجعة البيضاء فقط .. لكان اختارها هى مغمض العينين و دون تردد ..
و لكن بما ان الدور لآداء البجعتين معاً .. فهو لن يختارها إلا بعد أن تثبت له أنها قادرة على منحه الشعور بالإغواء و قادرة على أداء البجعة السوداء !
و هنا تتسرب لها مشاعر اليأس .. و مشاعر الخوف من ضياع الدور و انعدام الثقة بذاتها يتمكن منها ، و تشعر بالخطر من زميلاتها أن يقتنص احدهن الدور منها .. و لأن نينا تسعى إلى الكمال .. تبدأ رحلة بحثها عن كيفية أداء البجعة السوداء .. لتدخل فى صراع نفسى عتيد ، تكتشف و نكتشف من خلاله أن البراءة وحدها لا تكفى ، فلابد من الكثير من القبح ! .. " و أن الكمال لا يكمن فى التحكم فحسب ، و لكن فى التخلى عن هذا التحكم بعض الاحيان " .. و كانت هذه إحدى الجمل العبقرية بسيناريو الفيلم ..
تدخل نينا فى صراع نفسى رهيب ، نعيشه معها لحظة بلحظة ، و لمحة بلمحة .. و نتخبط معها بين الوجه الابيض و الوجه الأسود .. بين البراءة الصافية و النقاء .. و بين القبح و الكراهية .. بين القناعة و الرضا .. و بين الطمع و التسلط !! ...
و نجد نينا فى مراحل الفيلم المختلفة ، تقترب من أن تطلق العنان للقبح الموجود و المكبوت بداخل نفسها البشرية حتى تتمكن من اداء البجعة السوداء .. و لكنها تتفاجئ دوماً بهول هذا القبح و بشاعته ، فتخشى أن تطلق له العنان ..
و يتواصل الصراع الرهيب فى مشاهد كانت غاية فى البداعة و الروعة .. تابعناها فى لهاث و بأنفاس متلاحقة مبهورة ! .. و نجد نينا تبدأ رويداً رويداً فى التمرد على أسلوب والدتها ، و نجدها تحاول أن تقوم بفعل غير أخلاقى قد امرها به مدربها ليساعدها أن تخرج القبح الكامن فى نفسها البشرية لتظهر بها البجعة السوداء ..
و يستمر الصراع و يتواصل .. و تحاول نينا جاهدة ، حتى تتمن فى النهاية من إطلاق السراح لبجعتها السوداء .. ليخرج القبح بكامله و يعصف بالبراءة فى طريقه .. فتتجسد البجعة السوداء فى نينا و تتجسد نينا فى البجعة السوداء فى مشاهد الفيلم الختامية .. و لكن ماذا كان الثمن ؟!
لقد ماتت البجعة البيضاء راضية لشعورها بحريتها !
و ها انتى يا نينا ( أيتها البجعة البيضاء البريئة ) تموتين راضية فى سبيل شعورك بالكمال !
وا إبداعاه !! .. نعم ، كان من الرائع ان نشهد هذا الصراع النفسى الرهيب الفاتن الخاطف للأنفاس ..
كان من المبهر أن نتوه مع نينا فى هذا الصراع العتيد العنيف .. كان من الجميل ان نشهد نينا تقترب من إطلاق سراح القبح المكبوت فى نفسها البشرية ، و لكنها حين تفاجئ بهول هذا القبح .. تخشى و تأبى أن تطلق سراحه ..
و كان لأرونوفسكى لمحات عبقرية فى طيات هذا الصراع النفسى الرهيب ، سأذكرها لكم حالاً ..
*****
لمحات عبقرية ..
( فقط لمن شاهدوا الفيلم )
الأولى ( و هى أهم لمحات الفيلم العبقرية ) :
و هو أن الفيلم اتسع ليشمل مضمون أكبر بكثير مما يبدو .. فلا يقتصر مضمون الفيلم على العرض فقط و تهيئة نينا لأداء البجعة السوداء و السعى نحو الكمال ، لا .. كان هناك تلميح أكبر بكثير و أعمق بكثير .. فرأينا كيف ان المدرب كان يحاول استغلالها فى بعض المواضع فى بداية الفيلم ، و رأينا كيف سعى لإخراج ما بداخل نينا من إغواء و عنف و شر لتؤدى البجعة السوداء .. و فى هذا رسالة إنسانية قيمة و عميقة ..
يحاول أرونوفسكى بإشارة عبقرية منه ان يقول لنا ، أن حال البشر فى هذا الزمن لم يعد يلائمه البراءة !
البراءة وحدها لا تكفى مع البشر فى هذا الزمن ! .. لابد من بعض القبح يا عزيزى .. و إن صممت على كبتك له ، هؤلاء الذين حولك سيجبرونك بتصرفاتهم و أفعالهم على إطلاق قبحك هذا فى بعض المواضع و فى بعض الاحيان ..
البراءة وحدها لا تكفى ، فلتعلن بعضاً من القبح !
الثانية :
لقد انبهرنا برؤية نينا تقترب من إطلاق سراح القبح المكبوت فى نفسها البشرية ، و لكنها حين تفاجئ بهول هذا القبح .. تخشى و تأبى أن تطلق سراحه .. و لذلك فى أكثر من مشهد ترى القبح و تتخيله فى ليلى و لا تراه فى نفسها ، خوفاً من هول قبح النفس البشرية الذى لمسته نينا و عرفته و أدركت مدى خطورته و بشاعته .. و لهاجس نينا أن براءتها دوماً ستتغلب على قبحها .. فترى دوماً القبح فى ليلى ، فتباغتها بجعتها السوداء لتحل محل ليلى دوماً ، و كأنها تحاول أن تصرخ فى وجهها : " ماذا بكِ أيتهاالفتاة البلهاء ، هذا القبح الذى ترينه هو فى الاصل بداخلك ، هو فى الأصل مكبوت فى اعماق نفسك البشرية .. هيا أيتها البلهاء أطلقى سراحه لتنعمى ببجعتك السوداء ! .. فى لمحة عبقرية من أرونوفسكى ، ليصور لنا قوة الصراع النفسى داخل نينا و ليصور لنا مدى تخبطها بين البراءة و القبح .. بين الخير النقى و الشر المستتر .. حتى ان نينا التى تحاول و تسعى لإخراج هذا الشر من أعماقها لتحصل على بجعتها السوداء ، سرعان ما تضطرب و تخاف لهول ما تراه من القبح الساكن فى النفس البشرية !! .. و هذه كانت إحدى لمحات أرونوفسكى العبقرية بالفيلم ..
الثالثة :
لاحظنا فى الفيلم ، أن نينا ظهرت تقوم بالقئ فى المرحاض ثلاث مرات .. فى دلالة عبقرية
فى المرة الاولى ، ذهبت نينا للمرحاض و تقيأت بالفعل ، لهول ما شعرت به من القبح البشرى الساكن فى النفس البشرية ..
فى المرة الثانية : ذهبت إلى المرحاض و حاولت إفراغ القئ ، و لكننا نرى المرحاض نظيف و القئ لم يخرج ..
فى دلالة عبقرية ان نينا فى هذه المرحلة من الصراع ، قد راقها القبح البشرى قليلاً و أصبحت على استعداد اكبر لأطلاق سراح قبحها البشرى لتحصل على بجعتها السوداء فى هذه المرحلة من الصراع النفسى ، و لذلك لم يعد تقززها من الامر بنفس القوة التى كان عليها فى البداية مما دعاها إلى القئ ، و لكن القئ هذه المرة أبى أن يخرج ..
فى المرة الثالثة : عندما تفاجأت نينا بهول القبح البشرى الساكن فى النفس البشرية ، أفزعها هذا و أهالها و أصابها بالرعب .. لنجدها من جديد تتقيأ بالفعل فى المرحاض بالمرة الثالثة .. فى إشارة عبقرية من أرونوفسكى لنا على تطور مراحل الصراع النفسى داخل نينا و تباين هذه المراحل و تناقضها و اختلافها و اضطرابها ..
الرابعة :
عندما تمردت نينا على كل شئ ، و ألقت بـُدماها و ألعابها إلى ممر القمامة ، و مزقت لوحات والدتها التى تخيلتها تقول لها طفلتى اللطيفة .. نجدها فى مشهد رائع .. قد بدأت جناحات البجعة تحاول الخروج من كتفيها ، و بدأت ساقيها تتثنى و تأخذ وضع ساق البجعة .. لتسقط نينا فاقدة وعيها .. فنجدها حين تستيقظ .. البالرينا الدوارة الصغيرة على الرف تدور و هى شبه محطمة ، فى دلالة على أن القبح بدأ ينطلق و يخرج و يتسرب إلى الخارج و بدأ يعصف بالبراءة شيئاً فشيئاً .. و ما هو إلا بعض الوقت لنجد البجعة السوداء بكاملها قد تحررت من داخل نينا .. كانت لمحة عبقرية أخرى من أرونوفسكى !
الخامسة :
فى نهاية الفيلم كما ذكرت لكم سلفاً ، و مشهد بليغ للغاية !
لقد ماتت البجعة البيضاء راضية لشعورها بحريتها !
و ها انتى يا نينا ( أيتها البجعة البيضاء البريئة ) تموتين راضية فى سبيل شعورك بالكمال !
و بهذا كان أرونوفسكى مخرجاً عبقرياً متمكناً حريصاً على أدق التفاصيل فى رائعته السينيمائية تلك
| التالي > |
|---|



