القهر أفة المجتمع الحديث
مشكلة المشاكل في عصرنا هذا، أن الناس مقهورة..ولأنها مقهورة فقد غرس هذا فيها عقدة نفسية عويصة، تجعل كل منهم مشبّع برغبة قوية في أن يُصبح قاهراً..
ولأنه لا يملك فعلياً القدرة على قهر من يقهره؛ لأنه أكثر قوة وجبروتاً، فقد سعى للبحث عمن هو أضعف منه؛ ليقهره، ويمسح بقهره ذلك الشعور المذل الذي يُلازمه طوال الوقت بأنه مقهور..
ولأن القهر أنواع..
ولأنه أضعف مِن أن يُواجه، حتى مَن هم أضعف منه، فقد انتقى سبيلاً، يستند إليه في قوة، وهو يسعى لقهر غيره..ولم يجد سبيلاً أقوى من الدين نفسه..
وهكذا، نجد أن القرآن الكريم يمنحنا الحرية في كل ما يخص قلوبنا، حتى في أن نؤمن أو نكفر، باعتبار أن الخالق عزّ وجلّ وحده يدرك ما في قلوبنا، ويُحاسبنا عليه، أما من يدّعون الإيمان به، فقد صنعوا لأنفسهم الحق نفسه، بل وتجبّروا على خالقهم جلّ جلاله، وتحوّلوا باسمه -وهو بريء منهم سبحانه وتعالى- إلى طغاة جبابرة..
والمأساة أنهم قد فعلوا هذا باسم الدين..وباسم الخالق عزّ وجلّ نفسه..ولقد أثبتوا بهذا ما جاء في كتابه العزيز من أنه قد خاب من لا يتفكرون..وهذه قضية العصر الكبرى..
أناس مقهورة..وعقدة اضطهاد قوية..ورغبة في القهر..وسادية، حتى في أحكام الدين نفسه..يؤكدون أن الدين دين الرحمة والتسامح، ثم يؤكدون أن أكثر ما ينتظرنا هو العذاب..
يرفضون -بكل عنف وشراسة- أن يؤمن من يشاء، ويكفر من يشاء، وعلى الله سبحانه وتعالى ثوابه وعقابه..جعلوا من أنفسهم أوصياء على البشر..على سريرة البشر..
وضمائر البشر..وحتى على ما يدور في عقول البشر..
والمؤسف أن الناس المقهورة التي اعتادت القهر والمذلة، خضعت، وخشيت، واستسلمت، ورددت..ولم تُفكر لحظة واحدة..صخب القهر علا، حتى صم الآذان عن صوت العقل..بل وأد العقل..وحاصر الفكر..وانتصر على الخائبين، الذين لا يتفكرون، كما وصفهم الخالق عزّ وجلّ، في كتابه العزيز..
| < السابق | التالي > |
|---|



