أهازيجُ القمــر
تصدير :
" الحقيقة قوسُ قزح ٍ سيظهرُ ـ حتما ً ـ بعد أمطار الربيع
( أ )
ــ " ماما .. ماما .. انظري إلى أختي "!!
إنّـها لا تصدقني .. البارحة ... " .
ــ " حلمتَ بنفس الحُـلم " ؟!
ــ " نعم " .
ــ " أعلمُ يا بنيَّ ذلك ؛ فأنتَ تحلمُ بنفس الحُـلم
ــ " أعلمُ يا بنيَّ ذلك ؛ فأنتَ تحلمُ بنفس الحُـلم في كلِّ يوم ... و أختكَ تستمعُ إليكَ
في كلِّ يوم كذلك " !!
ــ " ..... " .
تلوَّنُ وجهه الصغير المدَوَّرُ حياءً ... تبتسمُ أمّــه بلطف ٍ . تردفُ : " حبيبي وسـام !! حلمكَ الجميلُ نعرفه .. ليتنا نحلمُ به مثلكَ و لو لليلة ٍ واحدة ٍ فقط ، و أنتَ تحلمُ به في كلّ ليلة !!
أتَسْمَـحُ لنا بأنْ نحلمَ به ، مثلكَ ، سيِّـد وسام " ؟!
يبتسمُ . تضيف : " حسنا ً .. الآن لتستعدَّ للذهاب للمدرسة يا صاحبَ الحلم الجميل " .
قبَّـلها فـَرِحـا ً ، ثمَّ ما لبثَ أنْ استعـدَّ للذهاب لمدرسته . حتى إذا وَصَـلَ إليها ، ابتدره لفيفٌ من أصدقائه بالسّـؤال عَمـَّـا إذا كان قد رأى في مَـنَـامِـه الحُـلمَ ذاته .
أجابهم بالإيجاب . ضحكوا و ضحكَ !!
( هـ )
كانت الحصَّـة الأولى درسا ً علميَّــا ً عن القمر . ما أن كتبَ الأستاذ ُ العنوانَ حتى تَطـلَّـعَ إليه جُـلُّ زملائه متبسمينَ . أمّــا هو فقد كان وردة ً فتحتْ ذراعيْـها لمعانقة الندى .
شرَعَ الأستاذ ُ في شرح درسه عن القمر ، و تحدَّثَ عن أنَّ القمر كوكبٌ معتمٌ يستمدّ نورَه من الشمس ، و عن دورانه حول الأرض .و من ثمَّ عرضَ صورته الرماديَّـة ، مشيرا ً إلى تواجد الأتربة و الغازات فيه ... الخ .
إذ ذاك طفقَ زملاؤه يختلسونَ النظرَ إليه ، بين تارة ٍ و أخرى ، بعيون ٍ تنزُّ تهكما ً ، و ذلك وسط ذهوله و دهشته . يجمعُ المعلومات في سلّـة عقله .. يتذوقها ..
حامضة ــ بعض الشيء ــ على ما يبدو !!
يرتدي قميصَ الدهشة الصيفيّ في أوْج عنفوان ريح هذه المعلومات
القادمة توّا ً ، الشتويَّـة القسَمَـات !!!
( ا )
حالما دقَّ جرس الفسحة ، بعدَ حصة ٍ أولى بذرتْ فيه أشجار العَجَب ، و حصتيْـن تاليتيْـن لا يدري ما قيلَ فيهما ، اتجه نحو المكتبة . بحثَ عن القمر . قرأ ما تَيَسَّـرَ له من معلومات ٍ . ذاتُ المعلومات . الأمر المدحض لحلمه !!
عبثا ً تفحَّـصَ المعلومات الواردة من جديد ، تفحَّـصَ تاجر ٍ لبضاعة ٍ جديدة .
إذا ً لا جوازَ سفر ٍ لمشروعيَّـة و امكانيَّـة تحقق حلمه المتكرر !!
اكتستْ ملامحه خيبة َ أمل ٍ ، فلم يكُ منه إلاَّ صَرْفُ الحصص الثلاث اللاحقة بالتفكير في
حلمه ، الذي يراه في كلَّ ليلة ٍ . تبدَّى عقله ــ آنئذ ٍ ــ كأسَ بطولة ٍ تنتظرُ نتيجة مباراة ٍ نهائيّـة هجوميَّـة مجنونة ، لمْ تحسَمْ نتيجتها بعـدُ !!!
( ز )
عادَ وسامٌ إلى منزله خلافَ ما خرجَ منه صباحا ً : حزنٌ طاف ٍ و شرود ذهن ٍ جليّ .
إذ في هذا اليوم ألقيَ عليه قولا ً ثقيلا ً ، يختصُّ بحلمه الذي يحلمُ به مُذ ْ أسبوعيْـن .
سألَ أفراد أسرته فردا ً فردا ً عن حقيقة القمر ، بحثا ً عن شيء ٍ يشعلُ
فتيل الأمل ، لكن ما من جدوى !!!
( ي )
ازاء ذلك انطوى على نفسه في غرفته ، واجما ً ، تغشى وجهه التفاحيّ طبقة ٌ رقيقة ٌ من غبار حزن ٍ طفوليّ .
أمرٌ يدعو إلى الإستغراب و العجب أنْ تستوقفكَ الحقيقة ذاتَ غفلة ٍ ، و بغتة ً تلقي عليكَ التحيَّـة و تسلّمُ عليكَ ... تعرِّفكَ على نفسها ــ تماما ً كما هي ــ في جلسة ٍ صريحة ٍ في زمن النفاق و الحقائق الغائبة \ المغيَّـبة !!!
و لأننا نتقنُ التصديق ، حسبَ التوقيت المحليّ للخيبات ، سنستفهمُ عَـمَّـا إذا كانت تلك الحقيقة ــ التي التقينا بها منذ لحظات ٍ ــ هي ذاتها الحقيقة أم لا ؟؟!!
الأغربُ من ذلك أنَّ المرءَ بعد ذلك سيكتشفها ــ أي الحقيقة ــ إمَّــا أكثرُ جمالا ً و نضارة ً و إمَّـا أكثرُ قبحا ً و بشاعة ً !!!
( ج )
عبثا ً حاولتْ أمّـه اقناعه بأنَّ كَوْنَ القمر كوكبا ً معتما ً ، يستمدّ ضياءه من الشمس ، لا يعني أنّــه ليسَ جميلا ً . أكدت له ـ أيضا ً ـ على جماليَّـة حلمه ، بيدَ أنها اكتفت بهزّ كتفيْـها عند طلبه رؤية حلمه حقيقة ً أمام ناظريْـه ، ثم تركته بعدُ !!
كانَ يحلمُ ـ في كلّ ليلة ٍ منذ قرابة الأسبوعيْـن ـ بأنَّ القمرَ يسبحُ في البحر ، و يفركُ جسده بالغيوم ، و يهزجُ و يغني !!
فالقمرُ ــ وفق ما يخيَّـلُ إليه ــ يعتني بنظافته جيدا ً ، و لذا فهو يسبحُ في كلّ ليلة ٍ ليبدو أكثرَ ضياءً ، و ليرفلَ في أبهى حلّـة !!!
( ا )
ساعاتٌ عديدة ٌ مرَّت و هو على حالته هذه : عبوسٌ و وجومٌ و حزنٌ و شرود ذهن . ربما ظلَّ يتمنى مشاهدة حلمه حقيقة ً ، رغمَ علمه اليوم بعدم امكانيَّـة حدوث ذلك إلاّ في الحلم و في مسلسلات الكارتون التي يدمنُ مشاهدتها !!!
فكيف يسبحُ القمر؟؟!!
و كيف يفركُ نفسه بالغيوم ؟؟!!
و كيف يغني ؟؟!!
لا يدري ــ حقيقة ً ــ كيف انبلجَ حلمه الغريب هذا فجأة ً و ظلّ يحلمُ به في صَحْوه و منامه ، لكنه على دراية ٍ ــ الآن ــ بكيفيَّـة اضمحلال امكانيَّـة تحقق حلمه !!
حقا ً كيف تنبتُ الأحلامُ فينا ؟؟ ... أيَّــة شمس ٍ أشرقتْ عليها ؟؟ .. أيُّ ماء ٍ سقاها ؟؟
أيُّ هواء ٍ تنفسته و رعاها ؟؟ ... كيف و متى و أين ؟؟؟
نتنزَّه في حدائق النوم .. نجدها ــ أي الأحلام ــ صدفة ً ... نستظلّ بفيْئها .. نطعمُ ثمارها .. على مرأى ً و مسمع ٍ من غفلتنا !!!
أليست الأحلام تفاحة ً ، من تلك الشجرة ، تبعدنا عن جنّــة الواقع ؟؟!!
( ل )
مساءً ، حينما استلقى القمرُ على أريكة السماء ، أتته أمّــه مبتهجة ً . حدّثته بأنّـه سيرى حلمه حقيقة ً ، كما كان يحلمُ و يتمنى . لم يصدّق . سردَ عليها حلمه مستفهما ً إنْ كانت جادّة ً في قولها هذا . أومأت برأسها أنْ نعم . استعجبَ وسط ابتسام أمّــه و تأكيداتها له بما قالته له توّا ً . و في غضون ساعة ٍ من الزمن وصل هو و أمّــه و أخته إلى البحر . على مقربة ٍ من الشاطئ سألته أمّــه عن حلمه . أخبرها بفحواه مجددا ً ، بأنَّ القمرَ يسبحُ في البحر ، و يفركُ جسده بالغيوم ، و هو يهزجُ و يغني !!
طمأنته ، و أخبرته إنْ هي إلاَّ لحظاتٌ و يرى بأمَ عينيْـه كلَّ هذا . نظرَ إلى أخته . حدَّقَ فيها مليَّـا ً ، مثلما بادلته هي التحديق المسْتَقرئ لعلامات الوجه . لا علامة من علائم الفهم أو التصديق لما يجري ، مكتوبة ً على محيَّـاها ، تماما ً مثله !!!
فيما أمهما تختلسُ النظرَ إليهما و تضحك !!
( ق )
اقتادتهما أمّهما حيث الشاطئ . قالت لهما : " انظرا إلى البحر ، و راقبا حركة القمر فيه " !!
نظرا . أخذ وسام يراقبُ .. يحملقُ أكثر .. يرقبُ الحركة .. يستذكرُ الصورة .. تتسعُ عيناه .. يرمي حاجبيْـه بعيدا ً .. يشهقُ شهقة مخترع ٍ أو مكتشف للتوّ .
يصيح بنبرة ٍ طفوليَّـة فرحَة : " ماما .. ماما ..هههه ... القمرُ يسبح .. يسبح .. يسبح .. !!" " سهام !!
انظري !! .. القمر يسبح .. يسبح ... هههههه ... لم تصدقيني عندما أخبرتكِ !!
.. هههه ... القمرُ يسبح الآن أم لا ؟؟!! .. يسبح ... ههههه " .
إذ ذاك اقتربت سحابة من المرور على القمر السَّـابح في البحر ، بفعل انعكاسه على صفحة البحر المتموجة.
تنتهز الأمّ الفرصة . تأمره : " وسام !! سهام !! .. انظرا !! "
" القمرُ يفرك جسده بالغيوم .. ألا تريان ؟؟!! "
تتسع عينا وسام مجددا ً .. و الحاجبان إلى أعلى .. يكادُ لا يصدّق .. يخالُ نفسه يحلم .. لكن لا هو يرى بأمّ عينيه الآن ، و ليسَ يحلم !!
يضحكُ .. يقول بلا اتزان : " نعم ماما .. نعم .. " . يعاود الضحك . تنسكبُ بسمة ٌ شهديَّـة ٌ من ثغرها . يخالجها زهوّ إلى حدٍّ ما ، في خضم غرق ابنيْـها في لجج الفرحة
و متعة الإكتشاف اللذيذ !!!
( م )
بعد مدة ٍ يسيرة ، باغتها وسام بقوله : " ماما .. لكن القمرَ لا يغني ؟؟!! "
استوقفها سؤاله . فهذا الذي لم تحسب له حسابٌ حينما فكرت في طريقة ذكيّـة تحقق حلم ابنها أصيل َ هذا اليوم . إذ كيف لها جعل القمر يهزجُ و يغني ؟؟!!
تتمتم ... تبحث في موسوعات الكذب الأبيض اللطيف ... ترمي شباكها لعلّـها تصطادُ ما تقتاتُ به اجابة ً .. تلتزمُ الصمت هنيهة ً ريثما تهبط تصطاد الفكرة .. ينظرُ وسامٌ إليها .. يعاودُ طرحَ سؤاله .. تفرُّ بعينيْـها منه . يصمتُ . لا شعوريا ً ترنو إلى القمر .. تتأمَّــله .. تفكِّـرُ ..تغلقُ جفنيْـها فيما تتفتح مداركها كزهور الربيع .
( ر )
بغتة ً تجدُ ضالتها .. تصطادُ الفكرة ، و تظفرُ بها .. يفترُّ ثغرها عن ابتسامة ٍ شفيفة ٍ . تأمرهما :
" وسام !! .. سهام !! .. تطلَّـعا عاليا ً إلى القمر !! "
يرنوان إلى القمر .. يرينُ صمتٌ . تردفُ : " تطلَّـعا إليه جيّـدا ً ، فقط ركزا على النظر بتأمّـل ،ثم أغلقا أجفانكما . حاولا بعدها بعد ذلك استذكار مشهد القمر !!"
يفعلان مثلما أمرتهما أمّـهما .. تخشى هي فشلَ فكرتها .. تراقبهما .. تأمرهما بفتح عينيْهما ..
لا يستجيبان .. يرجوانها زيادة ً لبعض الوقت و هما على هذه الحالة !!
تسألهما إنْ كانا ـ فعلا ً ـ قد سمِعَـا أهازيجا ً .. أجابا بنعم .. تضحكُ في سرِّها .
أمَّــا وسام فيحتضنُ الفرحة ، إذ تحقق حلمه ـ أخيرا ً ـ فرأى القمر سابحا ً ، فاركا ً جسده بالغيوم ، هَـِزجا ً !!
و ظلا لبعض الوقت يرهفان السَّــمْـعَ لأهازيج القمر العذبة !!!
( تمَّـــــت )
فبراير 2005
| < السابق | التالي > |
|---|



