يتحدث الكثيرون عن عبد الحليم حافظ على إنه نبتة ظهرت فى أرض مصر و اختفت دون سبب،و لكن للأسف كان عبد الحليم حافظ نموذجاً لجيل كامل ظهر فى مرحلة بالغة الاهمية فى حياة المصريين بمنتصف القرن الماضى.
فقد ولد عبد الحليم حافظ يتيماً فى 9 فبراير من عام 1929 بقريةصغيرة تدعى الحلوات بمحافظة الشرقية ، و كان شأنه كشأن المئات من أقرانه الذين تشكلالموسيقى و الغناء مساحة لا بأس بها من حياتهم اليومية، فقد كانت الموسيقى نافذةعبد الحليم على عوالم أخرى لم يحلم بها طفل فى العاشرة من عمره قط، و هو الذى كانيتسمر أمام دكان بقال القرية أملاً فى أن يستمع إلى اغنية من الردايو لعبد الوهابأو ام كلثوم. و لا يمكن أيضاً تجاهل دور الموالد العديدة التى حضرها بقريته أوبمحافظات أخرى لتشكل جانباً مهماً من ثقافته الموسيقية، مثلما كان الحال مع معظممطربى مصر الكبار، الذين تعرفوا على ملامح الحس الشعبى المصرى، و "المزاج" الموسيقىالخاص بناس هذا البلد... فقط من خلال "مدرسة المولد".
قرر عبد الحليم فى سنالسادسة عشرة الذهاب للقاهرة و الالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، مفضلاً الانضماملقسم الآلات، و ذلك على عكس ما توقع البعض و فى مقدمتهم صديقه و زميله فى المعهدآنذاك كمال الطويل. تخرج حليم من المعهد عام 1948 عازفاً لألة الابواه دون أن يضعقدمه فى عالم الغناء بعد ، و لكن كما يذكر مجدى العمروسى مدير اعمال "العندليب" فىمذكراته كان للصدفة عامل كبيرفى تفكير حليم الجدى فى التفرغ للغناء، حيث كان حليمعازفاً للأبواه فى فرقة تنتظر فى أحد أستوديوهات لتسجيل إحدى ألحان كمال الطويللنجم الفترة آنذاك عبد الغنى السيد، و الذى تأخر كثيراً عن موعد التسجيل، و ماكانمن الطويل إلا أن طلب من حليم تسجيل الاغنية هذه المرة بصوته. و ما أن فرغ المطربالشاب من الغناء حتى كانت علامات الدهشة الممزوجة بالاعجاب تبدو على وجه كلالحاضرين فى الاستوديو. ليقتنع عبد الحليم بعدها أن موهبته فى الغناء تستحق أن يطلععليها جمع أكبر من الناس.
لم تكن بداية عبد الحليم كمطرب مبشرة بأى حال منالاحوال حيث قوبل بصافرات الاستهجان فى معظم حفلاته الاولى، التى قدم من خلالهامجموعة من اغنياته الخاصة مثل "صافينى مرة" و قصيدة "لقاء" لصلاح عبد الصبور، حيثلم يكن الناس على إستعداد لتلقى هذا النوع من الغناء الجديد. و لكن مع إنتشار عىميلاد الجمهورية، و المطرب عبد الحليم حافظ"، و لم يكن هذا تقديماً لمطرب شاب فحسببل كان تنصيباً لعبد الحليم كمطرب لمرحلة و جيل و أمة بأكملها تتطلع إلىالتغيير.
لم يفوت حليم الفرصة هذه المرة فقد نجح من خلال مجموعة أغانى خفيفةمثل "على قد الشوق" و " أنا لك على طول" و "الحلو حياتى" و "هى دى هى" فى ترسيخأسلوب جديد فى الغناء الشرقى بالاشتراك مع أسماء مثل الشاعر مرسى جميل عزيز والملحنين محمد الموجى و كمال الطويل. حيث أعتمدت تلك الاغانى من خاصة فى ظل إنتشارالاذاعة و السينما و إزدهار صناعة الاسطونات، وهى وسائط جعلت متطلبات الاغنية شديدةالاختلاف حتى عن عقد مضى و هو ما عرف بعض المعارضين بطبيعة الحال. ولكنه عرفترحيباُ أكبر من شباب الوطن العربى بأكمله.
كان لأقتحام عبد الحليم حافظمجال السينما أثره البالغ فى إنتشار شعبيته داخل و خارج القطر المصرى، إضافة إلىتواجد عبد الحليم دوماً ضمن "فترينة" الثورة، التى تسوق جميع مبادئها فى العالمالعربى. بل أن اغانى عبد الحليم عقب العدوان الثلاثى، و فى مقدمتها "الله يا بلدناالله"، و من بعدها "تحت راية بورسعيد" أكدت أن نبرة اغانى عبد الحلبم الثورية أصبحتطريقاً يجب السير على نهجه. و قد واصل عبد الحليم "إكتساحه" للمشاعر القومية خلالفترة الستينات من خلال أغانى مثل "المسئولية" و "بستان الاشتراكية" ، "يا أهلاًبالمعارك" و صورة " مع شاعر الثورة الراحل صلاح جاهين، و الذي كان رفيقاً فكرياًلعبد الحليم طوال سنوات "المعركة القومية".
و كما كانت بدايته مع غناءالقصائد باللغة العربية مع "لقاء" لصلاح عبد الصبور فقد واصل عبد الحليم مشواره معغناء القصائد خلال عقدى الستينات و السبعينيات، و قد تعاون مع معظم أسماء الوزنالثقيل فى كتابة القصائد على رأسهم فيلسوفه كامل الشناوى، و الذى غنى له عبد الحليم "حبيبها" و "لا تكذبى" ، و ذلك قبل أن يدخل أثناء فترة السبعينات فى موجة نزارقبانى و التى شهدت أهم أعماله فى تلك الحقبة "رسالة من تحت الماء" و "قارئةالفنجان".و يذكر مجدى العمروسى أيضاً فى مذكراته أن مرحلة الاعداد للقصائد بالنسبةلعبد الحليم كانت أشبه بالقنابل الموقوتة، نظراً لتدقيق حليم الشديد فى كل كبيرة وصغيرة، و مطالبه التى لا تنتهى، و التى تصل أحياناً إلى حد تعديل بعضالكلمات.
لم تكن مرحلة السبعينات بالنسبة لحليم فترة أكثر روعة من سابقتيهاحيث لم يعد حليم قادراً على العمل بنفس الغزارة التى كان يرجوها، خاصة بعد أن تملكهمرض الكبد تماماً خلال تلك الفترة، بل إنه أصبح زبوناً دائماً فى مستشفيات لندن ،أما فى أوقات العمل، فقد كان الاستديو الخاص به أشبه بالمستشفى المتنقلة، و ذلك فىنفس الوقت الذى أنهالت عليه صحافة القاهرة بإنه يدعى المرض إمعاناً فى نسج الاسطورةمن حوله، و لكن بالفعل كان "العندليب" منشغلاًَ خلال سنوات السبعينات على العمل معبليغ حمدى بشكل أكبر ، و الذى كان من أغزر الملحنين الذى عمل معهم عبد الحليم بعدالثلاثى عبد الوهاب و الموجى و الطويل، و قد أثمر هذا التعاون عن أشهر اغنيات تلكالفترة مثل "زى الهوا" ..."نبتدى منين الحكاية" ..و "فاتت جنبنا"، و التى تعتبرواحدة من أخر اغنياته الجماهيرية قبل وفاته فى مارس من عام .1977
اما إذاوقع إختيارنا على واحدة من حفلات عبد الحليم لتكون حفلته المختارة فإن الاختيارسيكون بالغ الصعوبة، خاصة أن حليم كان يعشق الاداء الحى و له صولاته و سقطاته أيضاًعلى خشبة المسرح لا يستطيع أحد أن ينساها بسهولة، و لكن ستبقى حفلته الشهيرة عقبنكسة 1967لصالح المجهود الحربى فى قاعة ألبرت هول بالعاصمة البريطانية لندن من اهمالحفلات التى أداها مطرب عربى على الاطلاق، خاصة أن وصلته الغنائية شملت أغنينتينمن أفضل أغانى عبد الحليم الوطنية و هما "عدى النهار" و "المسيح"، و هناك العديد منالخبراء و المؤرخون الموسيقيون يؤكدون أن مكتبة هواة الغناء العربى لن تكتمل إلابتسجيل هذه الحفلة ، و التى حققت نجاحا مادياً و ادبياً غير مسبوقاً فى تلكالفترةذوات الخمس دقائق على الايقاعات و المقامات الشرقية المعتادة ممزوجة بحس غربىفى التوزيع الموسيقى لايفتقد للوعى،و ذلك جاء متسقاً مع حالة الانفتاح الثقافى التىكانت سائدة فى الوسط الموسيقى آنذاك. و قد قاد عبدالحليم جيل كامل من المطربينلأحداث تغيير كامل فى بنية الاغنية العربيةدوى الثورة فى كل مكان عقب يوليو 1952،أصبح المناخ معداً تماماً لأستقبال حليم و معه جيل كامل من المبدعين، كانوا أشبهبجنود للثورة أكثر من كونهم فنانين عاصروها. و لا يوجد ما هو أدل على ذلك سوى تقديمالمذيع الكبير جلال معوض لحفلة أضواء المدينة فى يوم 18 يونيو 1953 ،و هو أولإحتفال غنائى يقام بعد إعلان الجمهورية فى مصر، حيث أفتتح معوض إحدى وصلات الحفلبقوله "اليوم أزف لكم بشر.