ما لفت نظري اثناء تناول الغداء في منزل ماما فاطمة في جزيرة زنجبار تلك الدرجة العالية من الحيوية والنشاط لتلك الشابة الصغيرة السمراء طويلة القامة ذات الوجه المليح ذو الملامح العربية طويلة.
ويرجع هذا الانتباه لحالة الكسل العامة التي يتسم بها سكان تنزانيا بل وافريقيا بوجه عام وظننت ان سكان جزيرة زنجبار اكثر حيوية من الاخرين وان ذلك يرجع لان اغلبهم من ذوي اصول عربية عمانية أويمينية.
ومن الظنون التي انتابتني ايضا ان هذه الشابة هي ابنة السيدة فاطمة ذات الاصول العربية ايضا .
وابديت اعجابي لمضيفتي بنشاط ابنتها لكنها فاجأتني وهي تبتسم انها ليست ابنتها وانما هي خادمة المنزل.
وابديت استغرابي من وجود خادمات جميلات ونشيطات في هذه البلاد وانه اذا كان الامر كذلك فلماذا احضرت لي خادمة مريضة يتفجر البؤس على محياها وهزيلة كأنها مصابة بكل امراض الدنيا وطلبت منها ان تعطيني خادمتها وان تحضر لها خادمة اخرى .
رفضت ماما فاطمة العرض وقالت انها اشترتها لتوها من احدى المدن البعيدة عن الجزيرة وان لا وقت لديها للذهاب هناك مرة اخرى.
ظننت ان ما سمعته فيه بعض من عدم الصواب فسألتها ان تكرر ما سمعت فقالت هل استغربت من قولي انني اشتريتها ؟ فقلت لا لا ولكن ظننت انني لم اسمع جيدا وتابعت من اين اشتريتها ؟
فقالت ليس من زنجبار وانما من مدينة تقع على الحدود الكينية التنزانية وتابعت يمكنني ان اعطيك عنوانا هناك لمساعدتك في شراء ما تحتاج ؟
في الاسبوع التالي انطلق ناصر بسيارتنا الفارهة باتجاه مدينة تانغا ولم أتذمر من الازدحام الشديد الذي تكتظ به شوارع العاصمة الضيقة فقد فلت مني زمام السيطرة على مخيلاتي وذهبت بعيدا الى الوراء لاتذكر احداث مسلسل كونتي كاونتي الذي عرض في حلقات رائعة تاريخ رحلة العبيد من افريقيا الى الولايات المتحدة ثم انتقلت مخيلاتي الى صور السفن الهولندية والبريطانية والاوروبية عموما وهي تنقل العبيد المكبلين بالحديد الى المدن الاوروبية وبالطبع مرت بخيالي سفن العمانيين الصغيرة المكدسة بالرجال والنساء السود في طريقها الى الجزيرة العربية وعواصم العرب .
لكن الرحلة في اعماق الماضي انقطعت امام مشهد حادث مروع بين شاحنة لنقل الركاب واخرى لنقل البضائع ويقال ان اكثر من عشرين قتيلا ذهبوا في ذلك الحادث وعلمت ان مثل هذه الحوادث تقع يوميا فالطريق الضيق وهو من الطرق القليلة المسفلتة في بلاد شاسعة المساحة ويربط العاصمة بالمدينة الثانية والتي تعتبر مصيفا لتلك الدولة.
المئات من الناس على الطرقات يشيرون بايديهم للسيارات القليلة العابرة لتوصيلهم لكن لا احد يجروء على الوقوف لانه كما قال ناصر هناك خطر من التعرض للسطو والقتل ومئات اخرون وخصوصا من النساء يحملن على رؤوسهن كميات ضخمة من الاخشاب التي تستخدم كوقود للطهي .
اراض ممتدة على مرمى البصر ولكن لا زرع ولا حرث مجرد اكواخ من القش واحيانا من التنك متناثرة من يمينا ويسارا مبنى واحد فقط بدت عليه بعض المعالم العصرية صادفنا على الطريق وكان كنيسة .
الارهاق بدأ يدب في المفاصل بعد رحلة شاقة استغرقت حوالي خمس ساعات وها هي تانغا اصبحت على بعد عشرة كيلو مترات كما تقول اللافتة الوحيدة التي صادفناها في الطريق بعد تلك التي زرعت على مفترق الطرق الرئيسي بعد الخروج من العاصمة.
توقفنا عند احدى البقالات ونزل ناصر ليسأل عن العنوان الذي اعطتنا إياه ماما فاطمة وعاد ناصر مكدرا حيث ابلغه صاحب البقالة ان ابنا لأحد اعيان المدينة توفي في حادث على الطريق الليلة الماضية وان اخرا توفي اليوم بسبب اصابته بمرض الايدز.
نزلنا في الفندق الوحيد في المدينة وهو ملك الدولة ولولا الاهمال لكان فندقا جميلا ونظيفا وخلال اقامتنا فيه لمدة ثلاثة ايام لم اشاهد سوى عدد محدود جدا من النزلاء.
استقبلتنا عدد من النسوة وجيش من الاطفال عند منعطف ضيق بترحاب غير معهود لكن الخوف بدا بعيون بعض الاطفال فيما اخرون هربوا بعد غضب ناصر عندما صاح عليهم للابتعاد عن السيارة ومن زقاق ضيق الى اخر بين بيوت بعضها من الطوب والاخر من التنك والبعض نصفه من الطوب ونصفه من التنك الى ان دلفنا منزل السيدة امينة ذات الاصول اليمينة لكن لونها يميل الى السمار الداكن وحولنا التف النسوة وتكاد عيون بعضهن تخترق حتى الجدار الذي اسندت ظهري اليه.
عرضنا رغبتنا بشراء خادمة على السيدة امينة ولاحظت ترحيبا حارا وقبولا وفهمت بعض الكلمات حيث ان اللغة السواحلية التي يتحدث بها سكان مواطنوا تانزانيا قريبة جدا من العربية بل يصح القول فيها انه لغة عربية مكسرة.
ونهض بعض النسوة ابلغني ناصر بانهن سيذهبن لاحضار بعض الفتيات وخلال الانتظار التي زاد عن الساعة رفضت باشد درجات الرفض تناول أي من المشروبات المعدة منزليا ليس لان ناصر حذرني من ان اهل المدينة يشتغلون بالسحر بل لان طبيعة المكان لا يمكن ان تساعد على قبول مثل هذه العروض.
شرحت لنا السيدة امينة باسهاب ممل صفات بنات المدينة وتحدثت عن امانتهن واخلاصهن وجمالهن كما تحدثت عن قدراتها وخبرتها في هذا المجال وكيف ان كبار رجال الدولة يقصدونها للحصول على خادمات وانه تعرف اسرار كل نساء المدينة واننا طالما جئنا من طرف ماما فاطمة فانه ستعرض علينا افضل فتيات في البلد.
وتحدثت عن الاسعار فقالت ان اسعارهن رخيصة وتتراوح ما بين 150 الى 300 دولار فقط فاذا كانت بنتا عذراء وعمرها بين 16 و 18 عاما فسعرها 300 دولار واذا كان عمرها ما بين العشرين والخامسة والعشرين وما زالت عذراء فسعرها 200 دولار اما اذا كانت مطلقة او ارملة او غير عذراء لأي سبب فسعرها 150 دولارا.
وسالتها عن الراتب الشهري فأجابت انك ليس ملزما بدفع راتب لها وانما انت مسؤول عن توفير احتياجاتها من مأكل وملبس وطبعا توفير مكان لنومها وتعالجها اذا مرضت .
وعن المدة التي تقضيها الخادمة في خدمة سيدها او سيدتها اوضحت السيدة امينة ان المدة غير محدودة وقد تستمر طيلة العمر ويمكن رده في أي وقت بشرط انها اذا خلفت اطفالا تكون مسؤولا عن الانفاق عليهم .
صوت ضجيج يزداد قربا نهضت السيدة امينة وفتحت الباب الحديدي ودلف تسع شابات بدا عليهن انهن بذلن جهدا واضحا للظهور باحلى زينتهن وقفن صفا واحدا قرب الحائط المقابل بعضهن خفضن رؤوسهن خجلا او احتراما وبعضهن لم ينظرن الينا طيلة الوقت الذي استغرقته المقابلة والذي زاد عن النصف ساعة.
واختتمنا الزيارة الاولى للسيدة امينة بالاتفاق على ان ناتي غدا لرؤية اخريات حتى نتمكن من الاختيار السليم كما قالت السيدة امينة.
ثلاثة ايام قضيتها في تانغا المدينة الساحلية التي تطل على الاطلسي والحق يقال انني وجدت ترحابا من اهل المدينة اينما ذهبت فالناس بسطاء الى حد العدم طيبون الى درجة السذاجة دمائهم ممتزجة عربية وافريقية لهجة بعضهم العربية تدعو الى الضحك احيانا حيث ينصبوا المجرو ويرفعوا المكسور .
لكن الايام الثلاثة مضت ولا بد من اختيار بعض من قابلتهن من حسان المدينة الذين زاد عددهم عن الستين فالامر بات يدعو للخجل فلا يمكن ان اطالب برؤية المزيد ولا يمكن ان اغادر المدينة دون ان اشتري حتى جارية واحدة .
وجاءت ساعة الحسم وجاءت السيدة امينة الى الفندق بناء على دعوتي حيث انني لم ارغب بالذهاب الى بيتها مرة اخرى وقلت لها انني محتار في الاختيار فهناك اكثر من عشرة فتيات اعجبنني وذهلت لاجابتها عندما قالت اشترهن كلهن .
وباهتمام كبير قالت ردا على سؤالي عما اذا كان بامكاني شراء أي عدد نعم نعم .
ولكني ابديت بعض الاسف بقولي انني لا احتاج لاكثر من اثنتين كما انني لا املك مالا لشراء عشرة
قلت انني لا استطيع اعطائهن فرصة لزيارة تانغا سنويا!
قالت ومن قال انهن يردن العودة الى تانغا!!
قلت وماذا لو طلبن ذلك؟
قالت .. يا سيدي ان من تشتريها تصبح ملكك تماما افعل بها ما تشاء واذا اردت التخلص منها فعليها ان تدفع لك المبلغ الذي دفعته ثمنا لها او تبيعها لغيرك ففي بلادكم الناس يحتاجون ان يكون لديهم الكثير من الخدم والجواري فانتم اغنياء جدا كما نسمع.
وسألتها كيف يمكن التاكد من عدم اصابتهن بامراض ؟
قالت قبل ان تدفع فلسا واحدا على من تختارها ان تحضر شهادة طبية بخلوها من الامراض
ابديت موافقتي وشرعنا نتحدث في تفاصيل الصفقة حيث يترتب علي ان ادفع مئة دولار مقدما عن كل واحدة لاستخراج جواز السفر وشراء بعض المستلزمات وعندما ينتهين من اجراء معاملات جوازات السفر ويصبحن على استعداد للمغادرة سادفع 400 دولار مئتين لكل واحدة بالاضافة الى ان يتوجب دفع 50 دولار للسيدة امينة.
سلمت السيدة امينة مئتين وخمسين دولارا واتفقنا على ان اعود بعد اسبوعين لتسلم بضاعتي
لكني لم اعد الى تلك المدينة مرة اخرى رغم تكرار ماما فاطمة والحاحها على ضرورة اخذ الفتاتين مستخدمة في ذلك الكثير من العبارات التي تدعو للشفقة على الفتاتين المسكينتين اللتين ستتحطم احلامهما اذا لم آخذهما.